الشيخ محمد السند
145
تفسير ملاحم المحكمات
يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ « 1 » ، وغيرها من موارد الاستعمال . مع أنّ الظنّ استعمل في القرآن في موارد أخرى كثيرة في مقابل الحقّ ، بل اطلق الظنّ على ما يوجب اليقين المنطقي الأرسطيّ ، أيما ينبع من الحسّ ، كما في قوله تعالى في شأن اليهود والنصارى : ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ) « 2 » ) ، فالمقابلة بين اليقين والظنّ هاهنا وإطلاق الظنّ على الحسّ إنّما هو بلحاظ ترك اليهود والنصارى ما هو أقوى في درجة العلم والحجّيّة ، وهو قول عيسى ومعاجزه ، وأنّه سيبقى ويساهم في إقامة دولة الحقّ في الأرض ، وركنوا إلى ما هو أضعف في درجة العلم وهو الحسّ ، ومن ثمّ اطلق عليه الظنّ بهذا الاعتبار ، وهذا معنىً من الظنّ غير ما هو مستعمل في المنطق اليوناني ، مع أنّ المنطق الأرسطيّ قد فاوت في درجات أسباب العلم ، فجعل الفطريّات ، ثمّ الأوّليّات ، ثمّ البديهيّات ، ثمّ الحسّيّات ، ثمّ التجربيّات ، ثمّ الحدسيّات ، أيبينها هذه الأقسام الستّة درجات متفاوتة في أسباب العلم ، فلا يمكن للدرجة الأضعف أن تناهض الدرجة الأقوى . وعلى أيّ تقدير ، فالإيمان بالمعنى الأخصّ يغاير عين اليقين وحقّ اليقين ، بل علم اليقين بالمعنى الذي يفرض فيه الإحاطة ، ولم نقف - كما مرّ - على مورد لم يُجعل متعلّق اليقين - فضلًا عن عامّه وحقّه وعينه - معرفة اللَّه ، بل جُعل متعلّقاً للإيمان . ثمّ إنّ ما ورد في الروايات من المغايرة بين المؤمنين والمتّقين والموقنين
--> ( 1 ) البقرة 2 : 46 . ( 2 ) النساء 4 : 157 .